“كله إلا ابني”
كلمة على لسان كل الآباء والأمهات تقريباً وهي حقيقية إلى أبعد مدى؛ نستطيع كأولياء أمور وكمربين بشكل عام التعامل مع شتى أنواع الأذى ولكننا لا نتحمل أن يمس الألم قلوب صغارنا، فكم من مرة وقفت عاجزاً أمام بكاء طفلك لأن مجموعة من الرفاق قرروا إقصاؤه من اللعب معهم، أو عدم اختياره في فريق المدرسة لكرة القدم؟
لا شك أن الإحساس بالرفض هو من أشد المشاعر ألما ومن أكثر التجارب النفسية قسوة، فما بالك عندما نرى أطفالنا يخوضون تلك التجارب العميقة ونشعر بحيرتهم وقلة حيلتهم نحوها.
نصائح للمربين
لأن جزء من دورنا كمربين هو إرشاد أبناؤنا ومساعدتهم للسير بخطى مطمئنة في طريق نموهم النفسي، يحب علينا التركيز دوما على دور المربي نحو ذاته أولا، فنحن نحتاج قبل أن نواجه تحديات أبناؤنا ومشاكلهم أن ننظر بداخلنا ونتعامل مع تلك المشكلة في أنفسنا، عندئذ ستستطيع أنت أيها الأب وأنتِ أيتها الأم أن تجدوا حلولا إبداعية تناسبكم أنتم وأسرتكم أفضل من تلك الموجودة في شكل كبسولات تربوية.
عند تعرضك أو تعرض صغيرك لمشاعر لتجربة الرفض:
- تذكر أنك لست طفلك: من المفيد كي نتمكن من تقديم المساعدة لأطفالنا أن نذكر أنفسنا أن تلك تجربتهم هم في المقام الأول، وأننا مهما قدمنا لهم سبل الحماية لابد لهم من التعرض لتجارب مختلفة، فبالنهاية ذلك ما يمنحهم الخبرة والتعلم للخوص في الحياة.
- لا تقع في خطأ الإسقاط: من مننا لم يتعرض للرفض في حياته ولو لمرة؟ ولكن عليك ألا تسمح للذاكرة في التدخل، فربما تستدعي بشكل لا شعوري ذكريات الطفولة وتجاربك السابقة عند تعرض صغيرك للرفض؛ من مفيد حينئذ أن تذكر نفسك أن ذلك كان في الماضي وأنك الآن عاقل راشد وصاحب قرارك ولم تعد ذلك الطفل الضعيف.
- اقبل مشاعرك: أيا كان الشعور الذي تمر به، فقبولك واعترافك به هو أول الطريق للتعامل مع التحدي الذي تواجه؛ تحجيم الألم وإقناع نفسك أو من حولك أنك على ما يرام لا يأتي بثمار طيبة أبدا ولا يفتح سوي جراح تدمي بلا تعافي. عندما تبرز المشاعر فلا يوجد خيار صحي أمامك سوى القبول والمواجهة.
- افتح شباك آخر: حاول النظر للأمر الذي تواجهه من منظور آخر، فمثلاً فمشاعر كالحزن والغضب والإحباط الناتج عن الرفض ما هي إلا دليل على أنك كائن حي تشعر وتتألم وتتعامل مع ألمك فتكتسب خبرة وتتعلم، كذلك مواقف الرفض دليل علي إنك تتعرض لخبرات مختلفة وتكتسب تجارب بشكل أكبر. في النهاية، الأقلام مبراة دائما دليل أنهم لم يقوموا بوظيفتهم أبداً!
- لا تسمح لتجربة الرفض في اختزالك أو تصنيفك: من المفيد ألا تعمم تجارب الرفض مهما كثر عدد مرات تعرضك لها، فرفضك من أكثر من بيئة عمل لا يعني بالضرورة أنك لست كفؤ بشكل عام، ربما تكون وقعت في خطأ أو اثنين وربما لا، ولكن إن كنت تسمح لتجربة أو لشخص ما أن يحكم على أدائك الشخصي ويؤثر على تقديرك لذاتك ويشكك في قدراتك بشكل عام، فننصحك أن توقف ذلك الأذى فورا.
خطوات لمساعدة طفلك في التعامل مع الرفض
بعد أن عرضنا بعض الأساليب التي تمكننا من التعامل بشكل صحي مع الرفض كمربين ويجعلنا أكثر قدرة على توجيه أطفالنا بشكل أكثر فاعلية، سوف نتطرق لبعض الأساليب التي يمكن أن تفيد مربي في عملية توجيه الطفل عند مروره بتجربة الرفض ليتمكن من التعلم من تلك التجربة المؤلمة والنهوض منها برصيد أعلى من الصمود والمرونة النفسية.
- راقب من بعيد وأحسن استخدام الفرصة: نريد جميعًا حماية أطفالنا من التجارب ومن المرور بالمحن، ولكن إذا قمنا بحمايتهم بشكل زائد عن اللزوم (سواء بحل مشاكلهم أو التدخل نيابة عنهم) فإن ذلك كفيل بأن يعيق قدرتهم على تطوير شعورهم بكفاءتهم الذاتية، كما أنه يرسل رسالة مفادها أننا لا نعتقد أنهم يستطيعون فعل الأشياء بأنفسهم، ونجدهم بصورة تلقائية يعتقدون ذلك عن أنفسهم، لذا من الأفضل أن تنتظر حتى يطلب طفلك المساعدة، خصوصا في مرحلة الطفولة المتوسطة والمراهقين، وإذا لم يفعل ذلك فربما عليك أن تشجعه على البوح لك دون أن ينقلب الحديث إلى تحقيق رسمي.
- إقرار المشاعر: أول ما يحتاجه صغارنا مننا كراشدين عند المرور بأحد التجارب المؤلمة هو الاطمئنان والتأكد من قدرتنا على الشعور بهم، فعندما يشعر أبناؤنا أن مشاعرهم مرئية ومقدرة يمنحهم ذلك شعور بذواتهم ويساعدهم في النمو العاطفي بشكل سوي بعيدا عن المبالغة في المشاعر التي يستخدمها الأطفال أحيانا بشكل غير واعي (غالبا للفت الانتباه لما يشعرون به). فقط تذكر أن إقرار المشاعر لا يحتوي على النصح ولا على الأحكام، أبدا لا تصغر أو تتفه من مشاعر ابنك مثل أن تحكم أنه “مكبر الموضوع” وأن الموقف لا يستدعي كل ذلك.
- أسمح لطفلك بأخذ المبادرة: بدلا من تقديم النصائح الجاهزة، جرب الوصول للحل مع طفلك ودعه يأخذ زمام المبادرة، فذلك جدير بأن يمنحه الثقة والمتانة النفسية في التعامل مع المواقف المشابهة والمختلفة في المستقبل، وهو المطلوب.
- عزز المجهود لا النتيجة: أحيانا يسعى الآباء في نيل القبول الاجتماعي والوجاهة من خلال أبنائهم، وقد يوحي لهم ذلك أن أي ضعف يواجهه أطفالهم هو قدح في تربيتهم بل وأحيانا في ذاتهم، كما يرغب بعض الآباء أن يحقق أطفالهم ما لم يتسن لهم الوصول إليهم.
إذا كنت مربي وقد وقعت في ذلك فعليك الوقوف قليلا ومراجعة نفسك، فهذا الضغط لتحقيق النجاح قد يرسل رسالة لطفلك مفادها أن قيمتك الذاتية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بإنجازك، وفي هذا المجتمع الضاغط سيتعرض طفلك يوميا أثناء رحلته لرسالات تشعره أنه لا يستحق شيء ولا يكون إلا بإنجازه، وهي رسالة خطيرة. فنحن البشر إنجازاتنا هي جزء مننا وليس العكس، لذا أحرص دوماً على تشجيع محاولاته وجهوده وركز على أخلاقيات عمله وتصميمه وليس على النتيجة النهائية. - أسمح لطفلك بالفشل: ساعد ابنك على النمو في بيئة آمنة تدعم الفشل كما تدعم النجاح! فالخوف من الفشل هو إحدى معيقات النجاح بل والتعلم بالأصل، فعلى الرغم من أننا لا نستطيع إنكار كون الفشل تجربة تنطوي على بعض الإحباط ومشاعر التوتر إلا أنه في حد ذاته يعد تجربة تعليمية ممتازة، لكن يكمن التحدي في قدرتنا على تحفيز ذاتنا للمحاولة مرة أخرى بعد خبرة الفشل. يمكننا من خلال القصص وسرد تجارب الآخرون وأحيانا مشاركة تجاربنا أن نجعل أطفالنا يتعاملون مع الفشل كجزء من عملية التعلم والنجاح؛ إذا لم تنجح حاول مرة أخرى!
الوقاية خير من العلاج
سواء كان طفلك قد تعرض للرفض نتيجة فشل في اختبار تأهيل أو تم رفضه اجتماعيا، فعليك في جميع الحالات إعداده لمثل تلك اللحظات عن طريق بعض النصائح التالية.
- ساعد طفلك على تعزيز ثقته بنفسه: تستطيع تعزيز ثقة طفلك بنفسه تلقائيا من خلال تعاملك معه والوثوق به وبقدراته، حاول أيضاً أن تستعمل التوجيه بدلا من اللوم وتشجعه على خوض التجارب الجديدة ونقل خبرتك له في تحديد أهداف واكتساب مهارات تتوافق مع قدراته وميوله.
- ساعد طفلك على تجنب الشعور بالوحدة: ربما يساعدك في ذلك أن توجه طفلك لاكتشاف هواية جديدة قد يبرع فيها مثل الرسم أو القراءة والكتابة وغيرها، أو من خلال تحقيق رغبته في امتلاك حيوان أليف يكون كصديق مخلص في لحظات الشدة، فقد أكدت الدراسات أن امتلاك حيوان أليف يعزز الصحة النفسية ويقلل من الصدمات التي قد يتعرضون لها مثل الرفض.
- كن مستعد: قد يتعرض طفلك للرفض الاجتماعي لأسباب لا علاقة لها به، لكن في أوقات أخرى قد يكون ضعف المهارات الاجتماعية لطفلك هي السبب. عندها قد يفيد أن تساعد طفلك على تعلم قراءة الإشارات الاجتماعية بشكل أفضل، مثل الانتظار والمشاركة وأخذ الدور والتواصل بشكل أفضل، وأن يستمع جيدا ويناقش بهدوء.
- ابدأ بنفسك: يمكنك تعليم طفلك السلوكيات الاجتماعية المقبولة وغيرها عن طريق النمذجة. ابدأ بنفسك أولاً، ولتكن هذه قاعدة تربوية لأي مهارة أو خُلق تود غرسه في طفلك (فأبناؤنا يتعلمون بالملاحظة أكثر من أي شيء آخر)، كما يمكنك الإشارة إلى المواقف التي يتصرف فيها طفلك تصرفات غير مقبولة اجتماعياً، وكذلك مدح الأوقات التي يتصرف فيها بشكل جيد.
- ساعد طفلك على التعلم من التجربة: من المفيد النظر لتجربة الرفض التي مر بها طفلك وحثه على التعلم منها مثلها مثل تجارب الفشل تماما، فقد أكدت بعض الدراسات أن الأطفال يصبحوا أكثر يقظة بشأن الإشارات الاجتماعية بعد تعرضهم لتجربة الرفض.
يفضل القيام بذلك بشكل غير مباشر، لكن احذر أن تفعل ذلك بشكل فيه إلحاح وضغط (خاصة في سن الطفولة المتوسطة والمراهقة)، فأحيانا يأخذ الألم النفس الناتج عن الرفض الاجتماعي وقتاً طويلاً للتعافي، لذا قد يكون من الأفضل أن تطرق الباب من حين للأخر وتنتظر إشارة منه. - ضع في اعتبارك طلب الاستشارة أو أشكال الدعم الأخرى: إذا ظهرت على طفلك أياً من علامات الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، فعليك طلب المساعدة من مختص. قد يساعد المرشد التربوي طفلك على تغيير الطريقة التي يتعامل بها مع الرفض الاجتماعي وبالتالي يصبح أقل عرضة لتكرار تجارب الرفض وأكثر قدرة على التعامل معها.
أبناؤنا يتعلمون مما نفعله لا مما نقوله، فانتبه دوما لما تفعل، وتذكر أننا مهما حاولنا حماية أطفالنا فدورنا في حياتهم مهما كان مؤثر فهو محدود، كما أن لكل منّا رحلة ولكل منّا نصيب، ولسنا سوى أدوار ومحطات وضعنا الله في حياة بعضنا البعض لسبب.. فاتبع سببا.
بقلم إيناس البداوي