تخطى إلى المحتوى

التربية الإيجابية

من منا لم يصادف أو يسمع مؤخرا عن مصطلح (التربية الإيجابية)، سواء في إحدى الندوات والبرامج التربوية، أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. فبالرغم من أن مفهوم التربية بشكل إيجابي هو مفهوم بدأ مع بداية الأديان نفسها، وحتى من منظور علم النفس لا يعد جديداً، إلا أنه شاع وأنتشر في بلادنا في الآونة الأخيرة وأصبح أحد مظاهر الوجاهة الاجتماعية التي تدل على ثقافة وإطلاع الأهل.
ولكن لا يعقل أن نسعى لتطبيق الإيجابية وتغذية عقول وأنفس أبنائنا بها دون أن نتذوقها ونهضمها ونهيئ بنيتينا المعرفية لها، بأن يتسم المربي في الأصل بالإيجابية فيقدر علي التفكير بشكل إيجابي واستشعار الفرص والحلول في خبرات الإخفاق واستخراج المنح من المحن .


فكرة أن نصبح مربين إيجابيين لا تشترط أن نضحك طوال الوقت ونكبت مشاعرنا من غضب وإحباط وغيره، فمفهوم التربية الإيجابية يختلف اختلافا جذرياً عن مفهوم التربية المثالية.

ماذا بعد ؟
يجب أن نتعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه، ولكن مفتقد الشيء قد يستطيع إعطاؤه بسخاء بشرط أن يتذوقه أولا، وانطلاقا من هذا المبدأ فعلينا أن نقرر أن نتحلى بالإيجابية قبل أن نقرر تعليمها لأطفالنا .
فيما يلي سنقدم بعض النصائح والأفكار التي تساعد علي تسكين المفاهيم الإيجابية والتمهيد لأنفسنا كي نستطيع استيعاب الدروس العظيمة التي قدمها لنا العلم الحديث في صورة التربية الإيجابية.

أولاً: مفاهيم علم النفس الإيجابي

التربية الإيجابية هي أحد فروع علم النفس الإيجابي الذي يقدم لنا العديد من المفاهيم التي تساعدنا علي احتواء وتقدير ذواتنا وسوف نعرض لبعض تلك المفاهيم التي تؤثر بشكل فوري على علاقة المربين بالأولاد.

القبول: وهو أن تقبل ضعفك وقوتك ولحظاتك العابثة وشتاتك أحيانا، وجهلك وحيرتك، أن تقبل عدم قدرتك علي التصرف بشكل مقبول في بعض الأحيان.. تقبل نفسك بكل حالاتك.

التراحم و الحنو علي الذات: إن ترحم نفسك قبل أي أحد، وذلك لا ينفي تهذيبها وتزكيتها، ولكني أقصد أن تُهدي نفسك تلك النظرة الرحيمة التي تتمني أن يلقي بها أحدهم إليك.. الكلمة الطيبة، المساعدة التي تنتظرها.. امنحها لنفسك أولا كي تكون حقيقية وصادقة حين تصل لأبنائك.

الفخر (التعزيز): إفتخر بأنك لازلت تحاول، تخفق ثم تنهض، تتعافي وتكمل الطريق. تحاول الإصلاح ما أستطعت وتتذكر أن تلك هي رسالتك وغايتك، أما النتائج والنصيب فهو بيد الله وأن كل شئ في النهاية ومنذ البدايات بأمر الله.. فأفخر بذاتك و قدرها.

ثانياً: تذكر ..نحن بشر

نعم، فنحن لسنا إحدى الحواسيب الآلية أو الروبوتات المبرمجة. الحمد لله الذي وهبنا العقل والإرادة الحرة والفطرة الإنسانية العفوية المحببة، ولحسن الحظ أن الله وهبها أطفالنا أيضا ،فنحن نصيب ونخطئ وكذلك خلقنا الله وما علينا إلا التسليم بإرادته وتكريمه. الهفوات والزلات شيء طبيعي ومقبول، فكما أن هناك دائما نسبة هدر حتى من الآلات فما بالك بالبني آدم المخلوق من لحمٍ ودمٍ ومشاعر ومشاكل ووجع وتراكمات وأفكار وضغوط. طبعا لا أقصد الغلطات المقصودة أو ناتجة عن اضطراب نفسي واضح لدي المربي (ذلك يحتاج لعلاج فوري)، ولكن ما دون ذلك يسير بإذن الله.

و لذلك يجب أن نذكر أنفسنا دائما أن :

النية الصادقة والمثابرة هو المطلوب. على المرء السعي فقط، أما إدراك النجاح فمن عند الله سبحانه وتعالى.
لَا يُكَلِّف اَللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فأنت لا تمثل مشهد من فاصل إعلاني يجري فيه الأم والأب وراء أبنائهم في إحدى القرى السياحية، تلك هي حياة كاملة طبيعي أن نمر بانتكاسات ولحظات صعبة، أن نفقد أعصابنا أحياناً ونفقد قدرتنا على التحمل أو التفكير المنطقي أحياناً أخرى، وهذا يسوقنا للنصيحة التالية.
الحسنات يذهبن السيئات، سنقع وسنتعلم، وسنركز على إيجابيات رحلة التعلم: إن نسامح في الخطأ ونتعلم أدب وثقافة الاعتذار وإن لم نخطئ، فكيف سيتعلم أبناؤنا اتخاذ رد فعل إيجابي وقبول أنفسهم والاعتراف بأخطإهم مع محاولة الإصلاح، والقيم الرفيعة كالتسامح والمواجهة والتماس الأعذار؟ نحن في النهاية لا نريد تربية جيل هش وجاحد لا يستطيع قبول نفسه ولا الآخرين.
اعتذروا وسامحوا أبنائكم واطلبوا منهم السماح، فبذلك يتعلمون أن من يَرحمُ يَرْحَم.

ثالثاً: طمئن الطفل بداخلك

بداخلنا نحن الكبار أيضا أطفال لا تزال تصبو إلي المواساة والتهدئة وتبحث عن الأمان، فلا تهمل ذلك الاحتياج وتعنف ذلك الطفل المسكين، ولكن اختر وقتٍ بين الحين والآخر لتطمئنه وتقويته والتهوين عليه حتى لا يثور عليك وينفجر فيك وفي من حولك.
علينا أن نؤمن أننا خطوة بخطوةٍ سنصل، حتى وإن كانت إنجازاتنا صغيرة، وعلينا أن نؤمن كذلك بفردية تجربتنا، فهذه التجربة تخصنا وحدنا بعيدا عن إرهاق المهاترات والمقارنات التي لا تنفع.

خاطب الطفل بداخلك وخفف عنه فلا يوجد صفر ولا درجة نهائية في ذلك د الاختبار، لا يوجد هذا المقياس المطلق، وعليه فنحن لسنا في سباق ومن لطف الله أننا لسنا بهلوانات نسير بدراجات على حبال هوائية وننتظر السقوط في أي لحظة، والأهم أننا كمربين ما نحن إلا مجرد أسباب وسعي واجتهاد.

طمئنه أننا جميعاً نحاول وأن محاولاتنا جادة ونيتنا صادقة، وبالطبع يلازمنا الدعاء ويحفظ أبنائنا ويعيننا ويكفلنا بإذن الله.

وأخيراً، التربية الإيجابية في حد ذاتها منهجاً يوافق العقل والمنطق والرحمة، ولكن الفيصل هو كيف سنقوم بتطبيقها.
ولكي نستطيع وننجح في تربية أبناؤنا بإيجابية يجب أن نربي أنفسنا عليها أولا بسلاسة وطول بال، وإلا أصبحت ثقيلة ومهلكة.

بقلم إيناس البداوي

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.